الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

294

طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )

ويمكن تبيين هذا المعنى من طريق آخر وهو أنّ المراد من الشكّ في أدلّة حجّية الاستصحاب هو الحيرة الحاصلة من عدم وجود طريق إلى الواقع ، فإذا قامت عنده الأمارة الّتي هي من الطرق المعتبرة زالت الحيرة ولا يصدق عليه أنّه سالك بلا طريق ، فكأنّ معنى الشكّ عند العرف في أمثال المقام أضيق من الشكّ المنطقي ، كما أنّ اليقين عندهم أوسع من اليقين المنطقي ، وحينئذٍ لا يصدق على رفع اليد عن اليقين بالأمارة أنّه نقض اليقين بالشكّ بل يصدق عليه عند العرف أنّه نقض لليقين باليقين . ويؤيّد ذلك ما مرّ من أنّ من أدلّة حجّية الاستصحاب هو بناء العقلاء ، ولا إشكال في أنّهم يعتمدون على الاستصحاب في خصوص موارد التردّد والحيرة ، وأمّا إذا قامت أمارة على تقنين قانون جديد مثلًا أو على عزل الوكيل عن وكالته فلا يجرون استصحاب بقاء القانون السابق أو استصحاب الوكالة كما لا يخفى . فظهر أنّ الحقّ كون الأمارات واردة على الاستصحاب ، ولو تنزّلنا عن ذلك فلا أقلّ من الحكومة ، وهي أن يكون أحد الدليلين ناظراً إلى دليل آخر إمّا إلى موضوعه أو إلى متعلّقه أو إلى حكمه ، توسعة أو تضييقاً بالدلالة المطابقية أو التضمّن أو الالتزام البيّن . وذلك لأنّ أدلّة حجّية خبر الواحد مثلًا عند الدقّة ناظرة إلى أدلّة الأصول ، فإنّ مقتضى مفهوم آية النبأ أنّ ما أخبر به العادل مبيّن ولا يحتاج إلى التبيّن ، ولا إشكال في أنّ معناه عدم ترتيب آثار الشكّ ، وهكذا بالنسبة إلى قوله عليه السلام « ما أدّيا عنّي فعنّي يؤدّيان » « 1 » إذ معناه لزوم معاملة العلم مع ما أخبر عنه الثقة وعدم ترتيب آثار الشكّ . ولعلّ تسمية الشاهدين العدلين باسم البيّنة كانت من هذه الجهة ، أي إذا شهدت البيّنة على شيء فرتّب عليه آثار العلم دون آثار الشكّ ، وليس هذا إلّامن باب أنّ أدلّة هذه الأمارات حاكمة على أدلّة الأصول وناظرة إليها ومضيّقة لدائرتها بغير

--> ( 1 ) . وسائل الشيعة ، ج 18 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 11 ، ح 4